الشيخ محمد رشيد رضا
346
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
مندوب إليها ، وانهم من المستحقين لما ننفقه من العفو الزائد عن حاجاتنا ، فلا يليق بنا أن نعكس القضية ونطمع في فضول أموالهم ، لأنهم ضعفاء قاصرون لا يستطيعون دفاعا عن حقوقهم ، ولا ذودا عن مصالحهم . فجمع الأسئلة الثلاثة في الآيتين وعطف بعضها على بعض في غاية الاحكام والالتئام . وترون من هذا السؤال وجوابه كيف كانت عناية المؤمنين في حفظ أحكام اللّه واتقاء اعتداء حدوده ، وكيف شدد اللّه تعالى الامر في شأن اليتامى فلم يأذن بالقيام عليهم إلا بقصد الاصلاح ، ولا بمخالطتهم إلا مخالطة اخوة ، وكيف وجه القلوب مع هذا إلى مراقبته ، والتذكر لإحاطة علمه ؟ ثم ترون كيف اتخذ الناس هذه الآيات وسيلة للتلذذ بنغمات قارئيها ، أو للتعبد بألفاظها دون الاهتداء بمعانيها ، ومن أخذته هزة عند سماع مثل قوله تعالى ( وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ) فإنها لا تلبث أن تزول ، ثم هو لا يزول عن إفساده ، ولا يرجع إلى رشاده ، ومنهم من يتزيا بزي المتقين ، ويظهر في صورة الصالحين ، ويكثر من التسبيح والتلاوة ، وحضور صلاة الجماعة ، حتى إذا ما جعل وصيا على يتيم لا ترى لذلك التحنث أثرا في عمله ، ولا ذلك السمت حائلا دون زلله ، فهو إن أصلح شيئا يفسد أشياء ، ولا يراقب اللّه ولكن يراقب الحسبة والقضاء ، ذلك أن الاسلام قد صار تقاليد صورية ، وحركات بدنية ، ليس له منبع في القلوب ، ولا أثر صالح في الاعمال ، وإن اللّه تعالى لا ينظر إلى الصور والأبدان ، ولا يعبأ بالحركات والأقوال ، ولكن ينظر إلى القلوب والأرواح ، وما ينشأ عن صلاحها من خير وإصلاح * * * ( 222 ) وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ، وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ، وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا ، وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ، أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ